سيد محمد طنطاوي

196

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والتكوير في اللغة : طرح الشيء بعضه على بعض . يقال : كور فلان المتاع ، إذا ألقى بعضه على بعض ، ومنه كور العمامة . أي : انضمام بعض أجزائها على بعض . والمقصود أن الليل والنهار كلاهما يكر على الآخر فيذهبه ويحل محله ، بطريقة متناسقة محكمة لا اختلال معها ولا اضطراب . قال صاحب الكشاف : « والتكوير : اللف واللى . يقال : كار العمامة على رأسه وكوّرها . وفيه أوجه ، منها : أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويأتي مكانه هذا ، وإذا غشى مكانه ، فكأنما ألبسه ولف عليه ، كما يلف اللباس على اللابس . ومنها : أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه ، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار . ومنها : أن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا ، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض « « 1 » . قال بعض العلماء ما ملخصه : « والتعبير بقوله » يكور . . « تعبير عجيب ، يقسر الناظر فيه قسرا على الالتفات إلى ما كشف حديثا عن كروية الأرض فهو يصور حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض ، فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس ، فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون نهارا . ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور . وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار . وهذا السطح مكور ، فالنهار كان عليه مكورا ، والليل يتبعه مكورا كذلك ، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل ، وهكذا في حركة دائبة » يكور - سبحانه - الليل على النهار ويكور النهار على الليل » . واللفظ يرسم الشكل ، ويحدد الوضع ، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها . وكروية الأرض ودورانها ، يفسران هذا التعبير تفسيرا أدق من أي تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية « « 2 » . ثم ذكر - سبحانه - دليلا ثالثا على وحدانيته وقدرته فقال : * ( وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ) * .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 113 . ( 2 ) في ضلال القرآن ج 23 ص 122 .